النجاح أو الإخفاق يأتي من الافكار

تعرَّض المنتخب المصري لخسارة بهدف دون مقابل أمام نظيره النيجيري خلال المباراة التي جمعتهما مساء الثلاثاء في الجولة الأولى من إطار منافسات المجموعة الرابعة ببطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم والمقامة حالياً في الكاميرون.

 

وتذيَّل المنتخب المصري الذي خسر للمرة الأولى في دور المجموعات منذ 2004 المجموعة بعد تعادل السودان مع غينيا بيساو بدون أهداف.

 

التشكيلة

بقيادة مديره الفني أوجستين إيجوافوين بدأ المنتخب النيجيري المباراة بـ 4-4-2، مادوكا أوكوي في حراسة المرمي، أمامه رباعي دفاعي، أولا أينا، ويليام إيكونج، كينيس أوميرو وزايدو سانوسي، أمامهم رباعي وسط، ويلفريد نديدي، جوي أريبو، موسيس سيمون وصامويل شيكويزي، في المقدمة ثنائي الهجوم كيليتشي إيناتشو وتايو عوني.

 

في الجهة الأخرى بدأ المنتخب المصري بقيادة كارلوس كيروش المباراة بـ 4-3-3، محمد الشناوي في حراسة المرمي، أمامه رباعي دفاعي، أكرم توفيق (محمد عبدالمنعم)، احمد حجازي، محمود الونش واحمد فتوح، خط الوسط تكون من حمدي فتحي، أمامه كل من محمود تريزيجيه ومحمد النني، وفي المقدمة الثلاثي الهجومي، عمر مرموش، محمد صلاح ومصطفى محمد.

نيجريا أثناء الاستحواذ

بدا شكل المنتخب النيجيري واضحًا منذ بداية المباراة، في المرحلة الأولى لبناء اللعب يكون الشكل 2+2 حيث يُشكِّل نديدي بجانب أريبو محورًا مزدوجًا لتوفير خيارات التمرير أكثر لقلوب الدفاع أثناء بقاء الأظهرة على نفس الخط الأفقي. لم يكن ضغط المنتخب المصري عنيفًا، فلم يكن صلاح يتبع نديدي بعدوانية، بينما كان النني يصعد لتتبع أريبو، والاجنحة مصطفى محمد ومرموش يأخذون الاظهرة، في الوقت الذي يصعد في تريزيجيه لغلق مسارات التمرير على نديدي.

 

أما في المرحلة الثانية من بناء اللعب، فكان أريبو يصعد لأماكن متقدمة أكثر سامحًا لقلوب الدفاع بمساحة تقدمية أكثر لتحريك الكرة واجبار الخط الثاني لمنتخب مصر وبالتالي الأول على التراجع أكثر، هذا يسمح للأظهرة أيضا بالدفع لأعلى قليلاً وبالتالي التوجه لمرحلة التقدم بالكرة والتي في الحقيقة أحدثت التفوق.

 

لعب المهاجمان إيناتشو وعوني بالإضافة إلى لاعبي الوسط أريبو ونديدي دورًا كبيرًا في نقل الفريق من مرحلة البناء للتقدم، سأتطرق أولا للحديث عن إينتاشو والذي كان سقوطه بين الخطوط في الجهة اليمنى أثناء الاستحواذ محوريا لخلق تفوق عددي وتموضعي، فقد نجح في تثبيت (Pinning) النني ومرموش ما منح لاعب الوسط أريبو مساحة هائلة للاستلام بين الخطوط وكذلك مساحة للظهير الأيمن للدفع للأمام بالإضافة لعزل الظهير الأيسر للمنتخب المصري فتوح عن التفاعل مع المجموعة وجعله في مواقف 1 ضد 1 مع الجناح الأيمن شيكويزي.

ثانيًا كان دور عوني في الجهة اليسرى مهما لجعل تريزيجيه حائرًا بين الترحيل لغلق مسارات التمرير نحو الجهة اليمني (اليسرى لنيجيريا). فقد كان سقوط عوني للمنتصف قليلاً يجعل تريزيجيه مجبرًا على تغطية ظله وبالتالي يتأخر قليلاً في مساندة الظهير الأيمن قبل أن يمرر الدفاع النيجري قطريًا نحو الجناح الأيسر سيمون.

ثالثا كان دور نديدي مهما لتحفيز لاعبي المنتخب المصري للخروج والضغط (خاصة حمدي فتحي الذي يسهل اخراجه من تمركزه) أو لكسر الخطوط بالتمريرات التقديمة، أما دور أريبو فأستطرق بعد قليل للحديث عنه.

لجأ المنتخب النيجيري كذلك إلى الكرة الطويلة العمودية من الجانب الأيمن والمرسلة تجاه إيناتشو  وذلك إما للتغلب على قلبي دفاع المنتخب المصري بالصراع الهوائي أو للفوز بالكرة الثانية هناك مع نية مسبقة لتعقب الكرة من خلال المهاجم الثاني عوني ولاعب الوسط أريبو والجناح الايمن تشيكويزي، في الواقع كانت هذه إحدى طرقهم للتقدم بالكرة وكسب عدد من الياردات خاصةً إذا ضغط مرموش على الظهير الايمن ولم يجد اللاعب أي خيارات تمرير واضحة من زملائه.

مصر أثناء الاستحواذ

بدأ المنتخب المصري بشكل 2+2 أثناء بناء اللعب، حيث تمركز حمدي فتحي أمام قلبي الدفاع بينما احتل النني مكانا جانبيا في الجهة اليسرى بجانب الونش، وهنا سأدقق كثيرًا لتوضيح الفكرة وشرح اهمية مكان كل لاعب، في البداية يجب معرفة هيكل نيجريا عند الضغط، الأمر الذي بدا واضحًا للجميع على ما يبدو، 4-2، حيث ينتشر خط الوسط بشكل افقي مستقيم بينما يكوِّن الثنائي الهجومي خط الضغط الأول، ثانيا يجب معرفة نية الفريق أثناء الضغط حيث يأملون اولاً في عزل لاعب الارتكاز عن استلام الكرة من المدافعين وذلك بتغطية ظله وثانيًا في عزل واحد من قلوب الدفاع وعدم جعله خيارًا للتمرير وثالثا توجيه المدافع الآخر للخارج واجباره على التخلص من الكرة.

 

هنا استطيع شرح مكان حمدي والنني وكذلك تريزيجيه اثناء البناء، حمدي يأخذ موقعًا بين ثنائي هجوم نيجريا لجعل توقيتهم للخروج والضغط على قلب الدفاع متأخر ومنحه مساحة للتمرير ومساحة كذلك للظهير الأيمن (هو ليس خيارا مباشرا هنا).

النني ينتشر في أقصى اليسار اولاً لوضع نفسه خيار تمرير مفتوح بالنسبة للونش ثانيا لمنح حرية لفتوح بالدفع لأعلى الملعب خصوصًا ان الفريق يستخدمه عادة في مرحلة صناعة الفرص وثالثًا لأنه يجعل المهاجم أو الجناح الايمن غير مرتاحين أثناء الترحيل مما يمنح الفريق بعض المساحة نتيجة التأخر في الترحيل وفي بعض الأحيان يجعل الجناح الأيمن يصعد للضغط مما يترك فتوح ومرموش في مواقف 2 ضد 2 و2 ضد 1 مع عدم تغطية لاعب الارتكاز الايسر في كثير من الاحيان.

 

أما تريزيجيه فقد كان دوره السقوط للمنتصف لسحب لاعب الارتكاز الايمن من مركزه وتقسيم خطي نيجيريا الثاني والثالث خصوصًا ان خطي الفريق غير مدمجين وهناك مساحة هائلة تظهر بينما، لذلك كان يسقط ثم ينطلق مرة أخرى ليحدث تداخلاً بينه وبين مصطفى محمد وصلاح.

أصبح ضغط مهاجمي نيجريا أكثر على حجازي والونش في المرات التي انتقل فيها النني للوسط بجانب حمدي.

لذلك بعد دقائق عاد المنتخب المصري لشكل 3+1 اثناء بناء اللعب وهو ما يمنح قلبي الدفاع وقتا اطول على الكرة نظرا لقدراتهم المحدودة على الخروج بالكرة أثناء الضغط. وهنا كان دور النني واضحًا أكثر بالسقوط بجانب الونش في الجهة اليسرى لجعل المهاجم الايمن مترددًا بشأن البقاء بشكل ضيق بجانب المهاجم الايسر وبالتالي يعطي الخط الخلفي ممرًا لإرسال الكرات الطويلة وهنا تأتي المرحلة التالية، التقدم بالكرة.

في الواقع لم تأت فكرة وجود مصطفى محمد كجناح أيمن من فراغ بل كانت على أساس، فبعيدًا عن التداخل أو التقاطع بين مصطفى وصلاح وتريزيجيه بأن يتم لعب الكرة الطويلة في اتجاه مصطفى والذي يسقطها من لمسة واحدة في اتجاه تريزيجيه والذي يركض في المساحة المنشأة خلف الخط الثاني بعد أن سقط كما ذكرت في الأعلى، أو أن يستلمها صلاح الذي يسقط ومن ثم يصبح وجهه للمرمى ويبدأ الفريق مرحلة خلق الفرص بموقف 4 ضد 4.

فقد كانت الفكرة أيضًا هي الفوز بالكرة الثانية خلف الطرف الأيسر لنيجيريا، يستخدم الفريق عادةً هذا النمط للتقدم بالكرة ووضعها في اماكن متقدمة، لذا كانت الفكرة بتوجيه الكرة تجاه جهة نيجيريا اليسرى وانتظار أن يتخلى عنها دفاع نيجريا في المساحة هناك، وفورا ينطلق تريزيجيه لتتبع الكرة ومن ثم يقوم الفريق بتضيق كتلته للفوز بالكرة ضد منافس غير منظم في تلك الحالة، في الدقائق الأولى ساعد الفريق وجود أكرم توفيق الجيد في التدخلات ومنحه احتمالية نجاح كبير للفكرة لكن مع خروجه تغير كل شيء.

أفكار نيجيريا ضد دفاع مصر المتوسط والمنخفض

بعد ربع ساعة من الشوط الأول، اصبح تريزيجيه أكثر وعيا بتحركه خارج الحيازة خصوصا بعد اهتمام حجازي وحمدي أكثر بتعقب عوني في نصف المساحة اليمنى (اليسرى لنيجيريا) مما منح تريزيجيه فرصة أكبر لمساندة عبدالمنعم (بديل اكرم) وعدم وضعه في موقف 1 ضد 1 مع موسيس، لكن إيجوافوين، المدير الفني لنيجيريا كان مستعدا لذلك فبعد مرور 20 دقيقة نقل أريبو من نصف المساحة اليمني لنصف المساحة اليسرى مما خلق مرة أخرى تفوقا عدديا وتموضعيًا خلف خط الضغط الثاني لمصر.

يمكن ملاحظة الإضافة التي خلقها أريبو من خلال هدف المباراة الوحيد، صعود أريبو بين الخطوط أبقى عبدالمنعم منشغلاً به، ومنح مساحة أكبر لأوميرو للتقدم وكذلك اجبر خطوط المنتخب المصري على التراجع، مع التزام تريزيجيه بالجناح الايسر، وكذلك التزام مصطفى محمد بالظهير الأيسر زايدو الذي جعل مسار أوميرو خاليًا للتقدم. عدم مراقبة صلاح لنديدي جعلت النني يقترب منه ويتخلى عن حماية العمق، كما أن تقدم أوميرو المستمر اجبر حمدي على الصعود وغلق مسار التمرير عليه، لكن حتى مع عودة تريزيجيه للمساندة كانت المساحة على دائرة الصندوق خالية وغير محمية.

شوط ثاني غير مقنع

بين الشوطين أجرى المنتخب المصري تبديلا بخروج الظهير الأيسر، فتوح ونزول أيمن أشرف، كما قام الفريق بتغير الشكل ليستخدم ثنائي محور في وسط الميدان بدلاً من ثلاثة مع منح صلاح حرية في التحرك بين الخطوط بشكل أكبر.

 

استخدم الفريق في بناء اللعب نفس الشكل الذي انهى به الشوط الأول 3+1، لكن المشكلة باتت مقعدة أكثر، فصحيح أن سلسلة اللاعبين المتكونة من ثلاثة في الخلف بات ليدها وقتًا اكبر على الكرة للتمرير واتخاذ القرارات لكن ومع ذلك تم عزل اللاعبين الساقطين (صلاح والجناح الساقط) تمامًا عن الاتصال مع الثلاثي مما جعل جميع التمريرات بدون جدوى.

في الدقيقة 58 أجرى المنتخب المصري تبديلين بنزول احمد زيزو ورمضان صبحي بدلاً من تريزيجيه ومصطفى محمد، وهنا سأشرح أكثر لماذا شعر المعظم بتحسن طفيف في الأداء.

 

يجب على الجميع نسيان أن تغيير تشكيل الفرق هو ما يجعل الفرق أفضل أو أسوأ، التشكيلات هي أرقام هواتف غير مجدية في النقاش، فالنجاح أو الإخفاق يأتي من الافكار، التعليمات، التحركات واستغلال عيوب المنافس. نيجيريا لديها مشكلة في سلوك اللاعبين خارج الحيازة من حيث التوقيت والتعقب، هذا شيء تستطيع ملاحظته من خلال جميع مبارياتهم سواء لعبوا بـ ثلاثي أو رباعي في الخلف، يمكن استدراج لاعبيهم للخروج من مناطقهم بسهولة.

 

شكل 3+1 يعني خلق الثلاثي تفوقا عدديا على خط ضغط نيجيريا الِأول ووجود لاعب ارتكاز وحيد في الوسط، يمكنك العودة إلى الاعلى لتذكر لماذا استخدم الفريق هذا الشكل من الاساس، سيصعد واحد من ثنائي ارتكاز نيجيريا إذا شعر ان لاعب الارتكاز يريد التواصل مع الخطين الأول والثالث، اثناء ذلك يسقط صلاح ومرموش( الذي يُعد مهاجما في الوقت الحالي) الأول لسحب لاعب الوسط والثاني لسحب واحد من قلبي الدفاع، سيهتم الجناح الأيسر لنيجيريا بضيق كتلة الفريق أكثر من الصعود للمناطق الواسعة، نتيجة ذلك يترك زيزو في الجهة اليمنى خاليًا، يستلم زيزو الكرة في نصف المساحة اليمني، اثناء ذلك يركض مرموش بشكل قطري في الطرف الايمن، وسيعود لزيزو للتحرك في المساحة خلف الظهير الأيسر ولن يقوم لاعب الوسط أو الجناح الأيسر بتعقبه نظرًا لما تحدثت عنه منذ قليل مما يمنح الفريق مساحة هائلة هناك.

 

بطريقة ما كانت هذه الفكرة ناجحة للتعامل مع الدفاع النيجيري ولا أعلم حقًا ما إذا كانت ستنجح مع مصطفى محمد أم لا، لكن القضية هنا كانت في عدم اتصال النني مع المجموعة وبالتالي فقد الفريق القدرة على قطع مسافات تقدمية.

من ناحية أخرى ظلت المشاكل الدفاعية قائمة لعدم وضع رقابة دائمة على نديدي أو حتى تغطية ظله.

كما أن زيزو لم يكن ناجحًا في غلق مسارات التمرير نحو الداخل مع عدم مساندة كافية من حمدي فتحي باستثناء تلك الحالة التي اجبرت المنتخب النيجيري على التمرير الطويل الغير مجدي وقد كان حمدي جاهزًا للحصول على الكرة الساقطة.

في الجهة المقابلة أجرى المنتخب النيجيري ثلاث تغييرات، الأول دخول مهاجم بمهاجم للحصول على الكرات الطويلة وامكانية تبديل اللعب، والثاني جناح بجناح للعب خلف ايمن اشرف مساعدة المهاجم البديل والثالث لاعب وسط بمهاجم لغلق أي ممرات مركزية ممكنة وقد نجحوا بالفعل في ذلك.

 

على غير العادة لم يكن منتخب مصر قادرًا على الفوز بالكرة الثانية وهي ميزة جعلته متفوقًا في المباريات الأخيرة، ظهر الفريق مشتتًا وغير منظم.

الشيء الأخير الذي أود الحديث عنه هنا هو الكرات الثابتة، لا أعلم حقًا إذا كانت هذه فكرة المنتخب المصري أم لا لكنها كانت جيدة، وذلك بوضع لاعب متأخر بانتظار الكرة الاخيرة عندما تمر من الجميع لكن المشكلة أيضًا ان هذا اللاعب كان حجازي الغير جيد بالكرة، يمكنكم متابعة الركلتين الركنيتين للمنتخب المصري بتركيز أكثر.

الاستنتاج/ الخلاصة

في النهاية، يمكننا هنا وضع الأمور في أماكنها، لم يكن كارلوس كيروش وجهازه الفني موفقين في اختيار اللاعبين أو وظائفهم لإنجاح الفكرة وهو ما يتنافى تمامًا مع ما فعله خلال الفترة السابقة، لم يتوافق اللاعبون مع وظائفهم الجديدة سواء التكتيكية أو التقنية وهو ما أحدث خللاً بالمنظومة ككل، لا يجب النظر إلى الامور من جانب واحد، لا يجب النظر إلى النتائج حتى لو فاز الفريق، الأهم هو العملية، يضع المدربون الأفكار لأنهم يعتقدون أنها الأفضل، الخطأ يجعلك تدرك، والإدراك يجعلك تقف على المشكلات لتضع الحلول.

 

حلول أخرى

بعد مشاهدة دقائق قليلة من مباريات نيجريا السابقة كان واضحًا بالنسبة لي وجود خلل في الجهة اليمنى للفريق وهي متعلقة تحديدًا بالتوقيت والتتبع والمساحة الكبيرة بين الخطين الثاني والثالث كما تم ذكره، لذلك اقترحت أن يحدث تداخل بين تريزيجيه ومرموش (حدثت مرة واحدة) مع تثبيت مصطفى محمد للمدافعين، طبعًا في حالة وجود تريزيجيه كلاعب وسط ايسر وخصوصًا مع جودة فتوح العالية مع الكرة.

 

أو أن يرسل فتوح الكرات الطويلة من الجهة اليسرى خلف دفاع نيجيريا العالي.

هذه الحالات من مباراة ليبريا

 

Comments on Post (0)

Leave a Comment